
الإشارات العلمية في القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وصلى الله على رسوله الكريم وآله الميامين وأصحابهم المنتجبين
عندما نصف القرآن الكريم بأنه بحر من العلوم وموسوعة من المعارف المتنوعة والمفاهيم المتشعبة فإننا نصفه بحق وصدق ودون أية مبالغة أو عصبية عمياء، ومهما بالغنا في وصفه أو أظهرنا الكثير من كنوز علمه فإننا لا نعبّر بذلك سوى عن شيء يسير يمكن التعبير عنه بالنقطة في بحر واسع حيث حملت عباراته الموجزة معان كثيرة بحيث لم يوجد كلام موجز يشبهه من حيث الإيجاز دون أن يحصل أي خلل في المعنى، والكل يعرف بأن الإيجاز في كلام القرآن هو ضربٌ من ضروب الإعجاز، وهذا ما يميز إيجاز القرآن عن إيجاز غيره.
وجميع فطاحل العلم وجهابذة المعرفة وأرباب الفكر شابهت معرفتهم للقرآن معرفة علماء الجيولوجيا للقشرة الأرضية، وبمعنى أوضح إن جميع الناس منذ نزول القرآن الكريم وحتى يومنا الحاضر شابهت معرفتهم لمعاني الآيات مَن تعلَّم كلمة واحدة من مجلد كبير.
وقد مر معنا في بحث سابق أحاديث عن النبي وآله(ص) بينوا من خلالها عظمة هذا الكتاب الذي جعله خالقه معجزة لجميع العصور على مر الزمن.
إن لإنزال القرآن الكريم مجموعة كبيرة من الأهداف كالإعجاز وإثبات الوجود والتوحيد والهداية والتوجيه الصحيح، وهو ما أشير إليه مختصَراً في قوله تعالى(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) فالهدف الأساسي مما ورد في القرآن هو هداية الناس للحق، وهذا لا يمنع من وجود إشارات علمية فيه تزدهر بها الحياة، وبالفعل فإنه قد أشار إلى عشرات المسائل العلمية التي استفاد منها العلماء كثيراً.
وإليكم بعض تلك الإشارات، وأنا أهدف من وراء بيانها إلى بيان عظمة هذا الكتاب المنير.
إن تركيز القرآن الكريم على شجرة الرمان دفع بالعلماء إلى دراسة كل ما يتعلق بهذه الشجرة في جميع مراحل نموها خصوصاً وأن هناك أخباراً تنص على استحباب تناول الرمان فإن صح هذا الحكم فمعناه أن للرمان خصائص طبية وغذائية هامة.
ففي سورة الأنعام(وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)
وفي السورة ذاتها قال تعالى(وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
وفي سورة الرحمن(فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ)
وقد عودنا كتاب الله العزيز أن يسلط الأضواء على أمور ذات أهمية حيث لا يمكن أن يشير إلى فعل أو إسم أو أي حدث إلا إذا كان فيه منفعة للبشرية.
فلقد ركّز حديثه عن الرمان وكذا الزيتون والنخل، ولدى أبحاث العلماء حول تلك الأشجار وثمارها وأنظمتها البيئية وجدوا لها خصوصيات تميزها عن باقي الأشجار والثمار.
أما الرمان فإنه عُرف في إيران والهند ثم في معظم الدول الدافئة وحوض البحر الأبيض المتوسط، وقد انتشرت زراعة شجر الرمان بشكل سريع وكثيف وذلك عندما لمس الناس منافعه الصحية والإقتصادية.
تمتاز شجرة الرمان بتحمّلها انخفاضاً حرارياً يصل إلى اثنتي عشرة درجة مئوية، وارتفاعاً حرارياً يزيد على أربعين درجة مئوية، ويمكن أن تنمو على ارتفاع عن سطح البحر يصل إلى ألف ومئتي متر، كما وأنها تتحمل الجفاف القاسي لأنها تغذي نفسها بنفسها، وهي في ذات الوقت تتأقلم مع كافة أنواع الأتربة.
ونبتة الرمان منها الحلو ومنها المر ومنها الحامض، ولكل واحد من تلك الأصناف خصائصه الطبية والغذائية.
ومن خصائص شجرة الرمان أنها نادراً ما تتعرض في مرحلة نموها للإصابة بالأمراض الفطرية والحشرية على خلاف باقي الأشجار المثمرة التي تحتاج في كثير من الأحيان إلى العلاجات.
وهناك العديد من الخصائص البيولوجية لشجرة الرمان: منها: زهرتها التي تسمى الجلنار، وقد لفتت أنظار كثير من الناس نظراً لجمال شكلها ولونها ولهذا فقد تغنى بها الشعراء كثيراً.
ومنها: فاكهتها التي لا يحكي مظهرها عن مخبرها في الغالب إذ لا توحي قشرتها بجودتها أو رداءتها، وهي تنضج في فصل الخريف، ولها فوائد صحية كثيرة، كما وأن لها قيمة غذائية كبرى إذ أنها تحتوي على البروتينات والدهون والأملاح المعدنية والتي أهمها البوتاسيوم والحديد والنحاس وبعض الأحماض العضوية والفيتامينات.
ومن فوائدها الصحية كما أثبتت كثير من الأبحاث والدراسات تحصين وعلاج الجهاز الهضمي فإن قشورها تستَخدم لعلاج قرحة الجهاز الهضمي والإسهال لأن الرمان يعمل على تغيير طبيعة بروتينات الأمعاء فيقلل من ارتشاح السوائل ويقتل الكثير من الجراثيم ويمتص السموم من الجسد.
كما وأنه يقتل أنواعاً من الديدان ويعالج البواسير، وإذا مُزج بالتمر فإنه يفيد في معالجة التقيؤ، وكذا فإنه يفيد في مرض تصلب الشرايين لأنه يساهم في تقليل الدهون الضارة وزيادة الدهون المفيدة.
ومن فوائد الرمان أنه يطهر الدم وينظف مجاري التنفس ويعالج أمراض الأعصاب والإرهاق وهو يحتوي على فعالية كبيرة مضادة للأكسدة ويعمل على تحسين كمية ونوعية الخلايا المنوية كما قد يتوفر على عناصر مضادة للسرطان وخصوصا سرطان البروستات.
أما زهرة الرمان فإنها تُستخدم لعلاج التهاب اللثة.
ولأجل هذا كله فقد احتلت شجرة الرمان في القرآن مكانة عالية، وجعلت الشريعة أكله من المستحبات نظراً لفوائدها الجمة.
ومن الإشارات العلمية التي وردت في القرآن الكريم حديثه عن شجرة الزيتون.
ففي سورة الأنعام قال سبحانه(وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وفي سورة النحل(يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) وفي سورة النور(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) وفي سورة عبس(ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) وفي سورة التين(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) وفي سورة المؤمنون(وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ)
ولا يقل حديث القرآن حول شجرة الزيتون عن حديثه حول شجرة الرمان، فكما كان للرمان خصائصه فكذلك للزيتون.
وقد لقيت شجرة الزيتون اهتماماً بالغاً في أبحاث العلماء بعد أن ركز القرآن الكريم عليها فجعل زيتها مثلاً وأقسم بها في بعض المواضع فأنبأ ذلك عن أسرار موجودة في تلك النبتة التي وصفها الله تعالى في بعض الآيات بالمباركة.
لقد أشار القرآن الكريم إلى كل ما فيه الفائدة لنا على مستوى الروح والجسد، وهو رحمة للناس بكل ما للكلمة من معنى، ومن هنا أُبعدت الهلكة عن متبعي القرآن الذي من أخذ به نجا كما قال النبي وآله(ص) في هذا الشأن.
لاحظوا كيف أن بني إسرائيل أصيبوا بأمراض فتاكة عندما طلبوا من الطعام غير الذي دلهم رب العالمين عليه فكانت النتيجة الصحية وخيمة عليهم، فلقد أنزل الله عليهم المن والسلوى ثم تكبروا وراحوا يطلبون من نبيهم أن ينزل الله عليهم أنواعاً أخرى من المأكولات، وإلى هذه الحادثة أشار الله سبحانه بقوله(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ)
أقف على الوصف الإلهي العلمي الإعجازي لشجرة الزيتون الموصوفة غير مرة بالمباركة وهو قوله تعالى(وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ)
إنني كلما تمعنت في سورة أو آية أو كلمة قرآنية أخذتني الدهشة وتمالكتني الحيرة أمام هذا الإعجاز العظيم الذي أوصل التعاليم إلى عقول الناس بأرقى الطرق وأعذب العبارات وأكرم الوسائل.
وفي هذه الآية الكريمة التي لم تتجاوز كلماتها السطر الواحد أشار الله سبحانه وتعالى إلى أكثر من جانب علمي حول أصل وخصائص شجرة الزيتون.
الجانب الأول: أصل نشوئها:
فقد أخبرنا القرآن عن أنها نشأت في طور سيناء وهو جبل في فلسطين ولعله المنطقة التي كلّم الله فيها نبيّه موسى(ع).
وكل إنسان يفهم كلام الله تعالى بحسب إمكانية فهمه ومدى استيعابه، فأهل العقيدة يركزون على المسائل العقائدية فيستخرجونها ويضعونها أمامهم للقيام بمهامهم، وأهل اللغة يركزون على المسائل اللغوية، وأهل العلم يضعون الإصبع على الإشارات العلمية التي غذوا بها أبحاثهم ودعموا بها ودراساتهم، ولكن يبقى القرآن يساير جميع العصور ويتفاعل مع جميع المستويات مع المحافظة على كونه إعجازاً سماوياً، ولهذا لا يمكن الجزم بالمعاني الأساسية لكلام الله تعالى الذي يبقى سراً من أسراره، ولكن ما يتوصل إليه العلماء والخبراء إنما هو معرفة بنسب متفاوتة على أصعدة مختلفة.
لقد بحث العلماء في تلك الإشارة القرآنية التي ذكرت أصل شجرة الزيتون التي تُعتبر من أقدم الأشجار على الإطلاق حيث اكتُشفت منذ آلاف السنين، فتساءلوا حول هذا التعبير القرآني فوجدوا أن أصل الأنواع والأصناف في عالم النبات ينحدر من المنطقة الممتدة من فلسطين إلى شمال إيران، وأغلب الأنواع وُجد في المنطقة الممتدة حاليا بين فلسطين والأردن ولبنان وسوريا، وهي المنطقة التي أخذ منها المسلمون الأغراس إلى المغرب العربي والأندلس.
الجانب الثاني: وهو كونها من الأشجار الدهنية:
قد يشترك بعض أنواع الأشجار مع شجرة الزيتون في أصل وجودها كشجرة التين مثلاً التي نشأت في المنطقة المذكورة، ولكن القرآن الكريم أفرد صفة خاصة بشجرة الزيتون وهي الإنبات بالدهن مما يجعل المعنى مقتصراً على الأشجار الزيتية.
الجانب الثالث: وهو اختصاص شجرة الزيتون بالصبغ:
ولعلها الشجرة الوحيدة التي تعطي الدهن والصبغ، ومفهوم الدهن أوسع دائرة من مفهوم الزيت لأنه يشتمل على الزيت ومواد أخرى، ولهذا أتى الوصف بالدهن دون الزيت ليكون التعبير أبلغ وأوضح وأشمل، وهذا جزء من الإعجاز الذي لم يلتفت إليه أهل العلم الحديث إلا مؤخراً.
الشيخ علي فقيه



